د.منى كيال

أخصائيــة في التشــخيـص
المخبـري والمايكروبيولوجي

نحو صحة وشباب وحيوية لا تعرف عمراً

اللقاح المنتظر بين الشك والأمل

اللقاح المنتظر بين الشك والأمل

 

مع موجة من الأمل تثيرها الأنباء عن انتاج اللقاح و وعود بعودة الحياة إلى زمن ما قبل الكورونا، هناك موجة من الذعر ومعلومات ضبابية عن لقاح قد يعدل البشر وراثياً ويزرع في أجسادهم شرائح تسهّل التحكم بهم. 

هذه عينة من الادعاءات والمعلومات المضللة التي تنتشر كالنار في الهشيم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يسرع من انتشارها الحالة النفسية المزرية وحالة الذهول المسيطرة على العالم منذ ظهور الفيروس المستجد. يضاف إلى ماسبق تساؤلات ومخاوف مفهومة تتعلق بالسرعة الاستثنائية في إنتاج اللقاح والآثار الجانبية المحتملة، عدى عن جدوى اللقاح وفعاليته على المدى الطويل.

في البداية لا بد من الاتفاق حول نقطة محورية وهي ضرورة وضع نظرية المؤامرة جانباً، إذا أردنا أن نبحث بشكل منطقي في إيجابيات وسلبيات اللقاح المنتظر.

 

سرعة انتاج اللقاح، قلق وتساؤلات!

ربما يكون تطوير لقاح الكوفيد-١٩ هو الأسرع في تاريخ انتاج اللقاحات، وهذه  تهمة إضافية تواجه اللقاحات الجديدة من قبل منتقدي التطعيم.

هناك ٣ أسباب أساسية سرّعت تطوير اللقاح بشكل غير مسبوق:

١- السبب الأكبر هو الاستجابة السريعة من ناحية التشريعات وتسريع الموافقات الاسعافي وسهولة الحصول على التراخيص التي عادة تأخذ وقتاً طويلاً، مما سهل عملية الانتقال بين مراحل التجارب السريرية المختلفة، وصولاً للموافقة على انتاج اللقاح استعداداً لنزوله إلى الأسواق.

٢- النقطة الأخرى المهمة، أن تطوير اللقاح بدأ عملياً قبل ظهور الوباء في ووهان الصينية. حيث أنه اعتمد على عدد من الأبحاث السابقة لتطوير لقاح لفيروس السارس وفيروسات أخرى اعتماداً على طرق حديثة خاصة تقنية استخدام mRNA من قبل شركة موديرنا وفايزر- بيونتيك.

و رغم أنه لم تتم الموافقة من قبل على لقاحات تعتمد على هذه التقنية، لكن دراسات عدة أجريت على مثل هذه اللقاحات على مدى السنوات القليلة الماضية، بنيت على أساسها تجارب انتاج لقاح الكوفيد-١٩.

ومع ذلك فسرعة تطوير اللقاح لا يعني التساهل في تطبيق مراحل التجارب السريرية على البشر، وكما هو معروف فإن التجارب السريرية لا تنتهي بانتهاء المرحلة الثالثة ونزول اللقاح أو الدواء إلى الأسواق، بل تستمر الدراسات فيما يسمى المرحلة الرابعة التي تراقب تأثير الأدوية واللقاحات على المدى الطويل.

٣- مما سرّع تطوير اللقاح استعمال التقنيات الجينية الحديثة، والتي مكّنت من انتاج كمية كبيرة من اللقاح بسرعة كبيرة وتوفيرالوقت الذي كان يحتاجه انتاج اللقاحات باستخدام فيروسات كاملة مقتولة أومضعفة، حيث يستغرق تغيير الفيروس واضعافه في المختبر ليصبح آمناً وقتاً طويلاً.

 

العبث بجيناتنا الوراثية!

هل يمكن للقاح المحتوى على ال  mRNA أن يؤثر على جينوم الانسان ويغيره؟ 

 

  • مبدأ اللقاحات الجينية:

تعتمد تقنية اللقاحات الجينية على استخدام الكود الجيني للفيروس الذي يحمله الحمض النووي الرسول  mRNA، وبالتحديد المعلومات والشيفرة الخاصة بصناعة البروتين الشائك Spike Protein الموجود على سطح الفيروس، والتي تدخل إلى نوع خاص من الخلايا البشرية دون غيرها هي  الخلايا المتغصنة Dendritic cells. 

يحتوي جزيء mRNA هذا على المعلومات المطلوبة لتحديد تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين الشائك. يدخل هذا الكود الجيني إلى سيتوبلازما هذه الخلية التي تحوي على متعضيات مسؤولة عن تركيب البروتينات، تعمل على صنع كمية من البروتين الشائك وفقاً للشيفرة المطلوبة. 

ومن بعدها يعمل الجهاز المناعي بالرد على وجود هذا البروتين الغريب بانتاج أجسام مضادة للفيروس.

 

  • ال  mRNA  لا يغير DNA الخلايا البشرية:

يتم تصنيع البروتين المطلوب في سيتوبلازم الخلية، وبعد نقل المعلومات المطلوبة تقوم الخلية بتفكيك جزيء mRNA دون أن يدخل للنواة الحاوية على الجينوم البشري. فالجينوم البشري محمي داخل نواة الخلية المحاطة بالغلاف النووي، وكل عملية انتاج البروتين المطلوب تتم خارج هذه النواة، وبالتالي لن تؤثر على تركيب ال  DNA البشري.

وباختصار فاللقاح الذي يحتوي على جزء من المادة الوراثية للفيروس، لن يغير تسلسل الحمض النووي لجسم الإنسان. إنه فقط يمد الجسم بتعليمات لصنع بروتين مماثل لذلك الموجود على سطح فيروس كورونا، مما يحفزجهاز المناعة.

 

الآثار الجانبية للقاح:

 تبين نتائج مختلف التجارب السريرية على مجموعة كبيرة من الأشخاص أن اللقاح آمن، رغم أنه يمكن أن يسبب أعراضاً مشابهة للآثار الجانبية التي يسببها لقاح الإنفلونزا، مثل ألم في مكان الحقن وارتفاع درجة الحرارة وآلام العضلات والتعب والصداع، وغالباً ما تكون هذه الأعراض خفيفة وتزول بعد يومين على الأكثر.

 

اللقاح كحل اسعافي لكوكب الأرض: 

ليس هدفي هنا الدفاع عن اللقاح الذي لم تتضح الصورة الكاملة له بعد، ولكنه في طريقه إلى الاستعمال  في القريب العاجل وسينقسم الناس عندها إلى فئتين ملقح وغير ملقح.  وقد سألت عدداً من الأطباء العاملين مع مرضى الكوفيد عن موقفهم من اللقاحات الجديدة وآثارها السلبية المحتملة، فكان الجواب المشترك: عندما تشاهدين كيف يموت الناس من هذا المرض لن تقلقك بعض الآثار الجانبية. اللقاح ضرورة حتمية لإنهاء هذه الكارثة البشرية ! 

ويبقى اللقاح المتوفر حلاً اسعافياً لأزمة عالمية، والزمن وحده سيجيب عن التساؤلات المتعلقة بمستوى ومدة المناعة التي يتركها، والتي ما زال الوقت مبكرا للتنبؤ بها. 

قد لا تكون هذه اللقاحات كافية عملياً للتعامل مع الجائحة، ولكنها أفضل ما تم التوصل له لليوم، وقد تظهر لقاحات أخرى تقلب الموازين على الساحة في الفترة القريبة القادمة.

أما كيفية التعامل مع الإشاعات والمعلومات المضللة التي تعج بها وسائل التواصل الاجتماعي فهذا ما يجب أن تعمل عليه وزارات الصحة والإعلام والدول والمنظمات العالمية لمكافحة فيروسات الجهل والتضليل الالكترونية للوصول إلي حل فعّال للقضية الكوفيدية المعقدة.

 نقطة أخيرة محورية، ما لم يتم إدارة التعافي من الفيروس والتعامل مع الجائحة العالمية على مستوى عالمي، ومالم يتم إدارة التوزيع العادل لهذا اللقاح بين الدول الفقيرة والغنية بشكل فعال، لن يتعافى العالم وسيبقى هذا الفيروس مصدر قلق وتوتر لكوكب الأرض.

 

د. منى كيال

أخصائية في علم الأحياء الدقيقة السريري – المشفى الجامعي – براغ

 

:المراجع



 

 

ضع تعليقك هنا